الغزي
55
نهر الذهب في تاريخ حلب
ما بردى عندي ولا دجلة * ولا مجاري النيل من مصر أحسن مرأى من قويق إذا * أقبل في المدّ وفي الجزر يا لهفتا منه على نغبة * تبلّ منّي غلّة الصدر وأنشد بعضهم : للّه يوم مدّ في صدره * قويق مقصور جناحيه معتدلا يلثم ماء الحيا * منه بمخضرّ عذاريه « 1 » وقد وصفه كثير من الشعراء وفي هذا القدر كفاية . والذي أراه أن هذا النهر من جملة الأنهار الطبيعية قديم جدا لا يعرف من جرّه من أصله ، خلافا لمن زعم أن الذي جرّه هو الشيخ قويق المدفون بالتربة جنوبي حمام اللبابيدية وهذه التربة لا نعلم أحدا دفن بها غير أرغون نائب حلب ، الذي ساق إلى نهرها الساجور كما تقدم وكما تعرفه بعد . ولعل « قويق » أضيف إليه أرغون لمزيد عنايته به فقيل عنه شيخ قويق فحرفته العامة إلى الشيخ قويق . وعندي أن لفظة قويق تحريف قواق لا تصغير قاق ، وهي أي قواق يجوز أن تكون من الكلمات التي يستعملها الآن عرب البادية مما لم تحط به معاجم اللغة . وذلك أن عرب البادية يسمون مجرى ماء المطر في المطر « قواق » يلفظون قافها كافا مفخمة . ولما كان نهر حلب معظم مائه من المطر سمي بهذا الاسم ، فهو على هذا التقدير لفظ عربي . ويجوز أن تكون هذه الكلمة وهي قواق لفظة تستعمل الآن بالتركية بمعنى الحور ، وهو الشجر المعروف وذلك أن هذا النهر كان ولم يزل يزرع على شطوطه في مبدئه من بلاد عينتاب شجر الحور فينمو وينجب ويباع منه مقادير عظيمة . فعرف النهر به لكثرة زرعه عليه . والذي يؤيد هذا أن إطلاق هذه اللفظة على هذا النهر لم يكن إلا في أيام دولة بني طولون إذ أنهم أول قوم من الأتراك حكموا حلب بعد فتحها . ويؤيد ذلك أن هذا الاسم للنهر المذكور لم نره في شيء من النظم والنثر أقدم من كلام الشاعر البحتري الذي استغرقت حياته جميع أيام الدولة المذكورة . كان هذا النهر يسمى قديما شالوس . وقال دارفيو إن هذا النهر يقال له سيغا أو سيكويم وإنه كان يسمى قديما بيلوس . وسماه كزانفون اليوناني
--> ( 1 ) الدر المنتخب 137 وروايته : « مصندلا يلثم . . . لمخضرّ عذاريه » .